العلامة المجلسي
241
بحار الأنوار
وقال بقلبه : سمعنا وعصينا مخالفا لما قال بلسانه ، وعفروا خدودهم اليمنى ( 1 ) وليس قصدهم التذلل لله تعالى والندم على ما كان منهم من الخلاف ، ولكنهم فعلوا ذلك ينظرون هل يقع عليهم الجبل أم لا ، ثم عفروا خدودهم اليسرى ينظرون كذلك ، ولم يفعلوا ذلك كما أمروا . فقال جبرئيل لموسى عليه السلام : أما إن أكثرهم لله تعالى عاصون ، ولكن الله تعالى أمرني أن أزيل عنهم هذا الجبل عند ظاهر اعترافهم في الدنيا فإن الله إنما يطالبهم في الدنيا بظواهرهم لحقن دمائهم ، وإبقاء الذمة لهم ، ( 2 ) وإنما أمرهم إلى الله في الآخرة يعذبهم على عقودهم وضمائرهم ، فنظر القوم إلى الجبل وقد صار قطعتين : قطعة منه صارت لؤلؤة بيضاء فجعلت تصعد وترقى حتى خرقت السماوات وهم ينظرون إليها إلى أن صارت إلى حيث لا يلحقها أبصارهم ، وقطعة صارت نارا ووقعت على الأرض بحضرتهم فخرقتها ودخلتها وغابت عن عيونهم ، فقالوا : ما هذان المفترقان من الجبل ؟ فرق صعد لؤلؤا وفرق انحط نارا ؟ ( 3 ) قال لهم موسى : أما القطعة التي صعدت في الهواء فإنها وصلت إلى السماء فخرقتها إلى أن لحقت بالجنة فأضعفت أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله ، وأمر الله أن يبنى منها للمؤمنين بما في هذا الكتاب قصور ودور ومنازل ومساكن مشتملة على أنواع النعمة التي وعدها المتقين من عباده ، من الأشجار والبساتين والثمار والحور الحسان والمخلدين من الولدان كاللآلي المنثورة ، وسائر نعيم الجنة وخيراتها ، وأما القطعة التي انحطت إلى الأرض فخرقتها ثم التي تليها إلى أن لحقت بجهنم فأضعفت أضعافا كثيرة ، وأمر الله تعالى أن يبنى منها للكافرين بما في هذا الكتاب قصور ودور ومساكن ومنازل مشتملة على أنواع العذاب التي وعدها الكافرين من عباده ، من بحار نيرانها وحياض غسلينها وغساقها وأودية قيحها ودمائها وصديدها وزبانيتها بمرزباتها وأشجار زقومها وضريعها ( 4 ) وحياتها
--> ( 1 ) في المصدر : وعفروا خدودهم اليمنى بالتراب . ( 2 ) الذمة : الأمان والعهد والضمان . ( 3 ) في المصدر : فرقة صعدت لؤلؤا وفرقة انحطت نارا ؟ . ( 4 ) الغسلين : ما يسيل من جلود أهل النار . الغساق : ماء بارد منتن أو ما يسيل من صديد أهل النار الصديد : قيح ودم ، وهو ما يسيل من جوف أهل جهنم . أو الحميم أغلى حتى خثر . مرازب جمع المرزبة : عصية من حديد . الزقوم : شجرة في جهنم ومنها طعام أهل النار . ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل . الضريع : شئ في جهنم أمر من الصبر وأنتن من الجيفة وأحر من النار . ونبات منتن يرمى به البحر . ونوع من الشكوك لا تأكله الدواب لخبثه وهو يبيس الشبرق .